محمد بن أحمد الفرغاني
35
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
التعين الثاني النفسي المذكور ، ولهذا التعيّن وما تعيّن به وفيه من التجلّي الثاني الذي هو ظاهر الوجود المسمّى بظاهر عين اسم اللّه والرحمن وجميع هذه الأصول المذكورة آنفا وحدة وكثرة وبرزخ فاصل وجامع بينهما . أما وحدته ، فمضافة إلى التجلّي الثاني المذكور الذي نسبته إلى الأحدية الذاتية أقوى ومظهريتها به أحقّ وأولى ، ولكن سراية أثر الواحدية فيه إما بسراية حكم الواحدية فيه ، فانتشاء الكثرة النسبية الأسمائية السلبية والثبوتية منه ، وإمّا أثر أولوية انتسابه إلى الأحدية الذاتية ومظهريته لها ، فنفي الأحكام والنسب والاعتبارات وإسقاطها عن أسمائه السلبية نحو : ( الأزلي ) المنفي عنه الأولية ، و ( الغني ) المنفي عنه الاحتياج مطلقا في قيام الكمال به وظهوره عنه ، و ( الفرد ) المنفي عنه ما يزدوج به ذاته من عديل وشبيه وندّ ونظير ومثل ، كوجود آخر في مقابلة وجوده مثلا ، و ( الوتر ) المنفي عنه ما يشفعه من صنف الصفات ، ذلك بأن تكون صفة مشابهة لصفاته مثل أن تكون ثمة حياة كاملة شاملة بجميع الكمالات لا يقابل نقصا ولا موتا ولا فناء ، مضافة تلك الحياة إلى غيره ، فتشفع حياته الكاملة الشاملة بها ، و ( القدّوس ) المنفي عنه مذامّ الصفات ، كالظلم والكذب والعبث والكدر واللهو والعجز ونحو ذلك ، و ( السلام ) المنفي عنه تنازع ظهور الصفات بحيث لم ينازع الغضب عند الرضى ، ولا الاستعجال إذا حلم ، ولا إرادة الانتقام حين عفا ، وعلى عكس ذلك . و ( السبّوح ) المنفي عنه ما ينتفي في الفرد والقدّوس والسلام وكذلك المتعالي ، قال اللّه تعالى : سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ الطّور : الآية 43 ] ، و سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ [ الأنعام : الآية 100 ] وأمثال هذه من الأسماء السلبية . وأما طرف كثرة هذا التعين الثاني ، فظهر للواحدية الذاتية لكن بسراية أثر الأحدية فيه . أما حكم كونه مظهرا للواحدية ، فلانتشاء كثرة التعيّنات الإلهيّة والكونية متبوعها وتابعها عنه ، وثبوتها وتميّزها فيه بعضها حقيقة وبعضها نسبيّة . وأما حكم سراية الأحدية فيه ، فإنه كان لكل جملة من أعيان تلك الكثرة وحدة جمعية هي أصلها ومنشأها ، أو قل كلّها ومرجعها ، أو قل جنسها أو نوعها المندرجة فيها كثرة تلك الأعيان أولا ، والمنتشئة منها ثانيا ، والراجعة إليها ثالثا ؛ فإن رتبة تلك الوحدة متقدّمة على رتبة ما انتشأ منها من تلك الأعيان ، فمثال تلك